صديق الحسيني القنوجي البخاري
125
فتح البيان في مقاصد القرآن
سبحانه غاية الطرفين المنهى عنها فقال فَتَقْعُدَ تصير مَلُوماً مذموما عند الناس بسبب ما أنت عليه من الشح أو عند اللّه سبحانه لأن الشح غير مرضي لديه أو عند نفسك وأصحابك أو يلومك سائلوك إذا لم تعطهم . مَحْسُوراً بسبب ما فعلته من الإسراف ، أي منقطعا عن المقاصد سبب الفقر والمحسور في الأصل المنقطع عن السير من حسره السفر إذا بلغ منه أي أثر فيه ؛ والبعير الحسير هو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به ، ومنه قوله تعالى يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ [ الملك : 4 ] أي كليل منقطع ، وقيل معناه نادما على ما سلف فجعله هذا القائل من الحسرة التي هي الندامة ، وفيه نظر لأن الفاعل من الحسرة حسران ولا يقال محسورا إلا للملوم . وفي المختار الحسرة شدة التلهف على الشيء الفائت ، تقول حسر على الشيء من باب طرب وحسره أيضا حسير ، وحسره غيره تحسيرا . وعن سيار أبي الحكم قال : أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بزّ من العراق وكان معطاء كريما فقسمه بين الناس ، فبلغ ذلك قوما من العرب فقالوا : إنا نأتي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فوجدوه قد فرغ منه ، فأنزل اللّه وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ الآية . أخرجه سعيد بن منصور وابن المنذر . أقول ولا أدري كيف هذا فالآية مكية ولم يكن إذ ذاك عرب يقصدون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا يحمل إليه شيء من العراق ولا مما هو أقرب منه ، على أن فتح العراق لم يكن إلا بعد موته صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم سلى رسوله والمؤمنين بأن الذي يرهقهم من الإضافة ليس لهوانهم على اللّه سبحانه ولكن لمشيئة الخالق الرزاق فقال إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ أي يوسعه على بعض ويضيقه على بعض لحكمة بالغة ، لا يكون من وسع له رزقه مكرما عنده ومن ضيقه عليه هينا لديه ، ويقدر ويقتر مترادفان . قيل ويجوز أن يراد أن البسط والقبض إنما هما من أمر اللّه الذي لا تفنى خزائنه فأما عباده فعليهم أن يقتصدوا . وعن الحسن في الآية قال : ينظر له فإن كان الغنى خيرا له أغناه ، وإن كان الفقر خيرا له أفقره . ثم علّل ما ذكره من البسط للبعض والتضييق على البعض بقوله إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أي يعلم ما يسرون وما يعلنون لا تخفى عليه خافية من ذلك ، فهو الخبير بأحوالهم البصير بكيفية تدبيرهم في أرزاقهم ، وفي هذه الآية دليل على أنه المتكفل بأرزاق فلذلك قال بعدها : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خطاب للموسرين بدليل قوله خَشْيَةَ إِمْلاقٍ أي فاقة وفقر يقع بكم يقال أملق الرجل إذا لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام